• كتاب الطغرى، غرائب التاريخ في مدينة المريخ

     

    اول رواية للكاتب المصري يوسف رخا. صدرت الرواية عن دار الشروق وقد وصفها كاتبها الكبير حقاً بأنها “استحضار خيالي للقاهرة بعد عام 2001 وتأملات في انحدار الحضارة الإسلامية”، وتتتبع الرواية أخبار صحفي  بمؤسسة صحفية كبيرة يدعى مصطفى الشوربجي يومًا بيوم، من 30 مارس/آذار إلى 19 أبريل/نيسان 2007. وتنقسم إلى تسعة أقسام، كل قسم يعني رحلة يقوم بها مصطفى داخل حدود القاهرة التي أعاد تسمية أحيائها وضواحيها.

  • دايما كوكا كولا

     

    تعبّر أحداث الرواية، عن واقع بعض النماذج المعاصرة من الشباب. فتيات وشبان يعيشون في معمعة من اختلاط المفاهيم والقيم وحتى من اختلاط الهويات الجنسية. فالمرأة قد لا تكون أنثى والرجل قد لا يكون ذكراً. حقائق يجب أن تقال، وواقع موجود وحقيقي تعكسه هذه البوتقة من الشخصيات التي ركبتها الراوية، والتي وإن كانت هامشية في تركيبتها الاجتماعية، الا انها تفضح اختلال مجتمع غير متماسك، يدفع أبناءه الى الانحراف.

  • سرمدة

     

    رواية سرمدة الصادرة عن دار «الناشرون في بيروت» هي الرواية الأولى للكاتب السوري فادي عزام. تحيل مباشرة إلى تلك الغبطة الشهية للقراءة، بقدرتها الفنية الفذة، وبنيتها السردية المتقنة، وجمالها الآسر. نحن أمام عمل روائي يعد بالكثير. 

  • كتاب الطغرى، غرا...

  • دايما كوكا كولا...

  • سرمدة...

 
 

محمد سالم عبادة

مع اعترافي الكامل بأنَّ Angel Clair الآتي من Tess of the d’Urbervilles
هو بطلي المفضَّل، وأنّي أكثرُ ما أكونُ تماهيًا فمع روايةٍ للمرحوم (توماس هاردي)، حيث هو دائمًا مُتَّسِقٌ مع ذاتِهِ، وقضاياه الأساسيةُ مبسوطةٌ كالأرضِ قبلَ إثباتِ كُرَوِيَّتِها، وبأنَّ ما اصطُلِحَ على تسميتِهِ (الأدبَ السِّيس) هو تياري المفضَّل، إلا أني مؤمنٌ بأنَّ (كتاب الطُّغرَى .. غرائب التاريخ في مدينة المرّيخ) لصاحبها (يوسف رخا) روايةٌ عظيمة ..

· نهايةُ البلاغة: في معرضِ حديثي مع أكثر من صديقٍ عن الروايةِ (أثناءَ قراءتِها) كنتُ كثيرًا ما أعربُ عن اعتقادي في أن الروايةَ تؤسِّسُ لبلاغةٍ جديدة .. استندتُ في هذا الاعتقاد إلى ملاحظاتٍ ساذجةٍ شديدة الجزئية ، أتصوَّرُ أنه يمكن إجمالُها في عدة مجموعات:
أ‌- الصور الجزئية المتناثرة في سياق الرواية وفي القصائد النثرية التي كتبها (مصطفى الشوربجي)، والتي تشبهُ اكتشافًا مدهشًا ومثيرًا للضحِكِ في آن .. مثالُ ذلك قول (الشوربجي) في القسم الأول: “الأملُ يلاعبُني مثلَ اليويو” .. طرافةُ الصورة ممتزجةٌ بسخريةٍ ضمنيةٍ مُرَّةٍ لا تدعُكَ تفغرُ فاكَ مستحسنًا لما يزيد عن جزءٍ من الثانية، فأنتَ مضطرٌّ أن تنهارَ ضاحكًا .. فقط أدرِكْ تحوُّلَ الأمل من خصيصةٍ إنسانيةٍ مرنةٍ لَدنةٍ إلى آلةٍ جامدةٍ تستدعي بحضورِها طفولةً بلهاءَ هي الياي/اليويو على طريقة (هنري برجسون) لتغيبَ في نوبةِ الضَّحِك .. خذ مثالاً آخر في القسم السادس حيث يقول الراوية: “شيءٌ مثل عمارة ما كدتَ تعيشُ في إحدى شققِها حتى ساحت عواميدُ الأساس.” متحدِّثًا عن اعتناق (أمجد صلاح) للمذهب السَّلفِي بعد ظهور السلطان له كما يتصور (الشوربجي) .. هو يرى أن هذا التحول في شخصية (أمجد) كان بحثًا عن الارتياح من القرار، لكنَّه في هذه اللحظة البلاغيةِ لم يكن بحثًا بالمعنى الدارجِ الذي يتطلبُ حضور الوعي .. إنه بمثابة انهيار (سَيَحان) لأساساتِ دماغ الرجل .. طزاجةُ الصورة الأسمنتيةِ ملطَّخةٌ هنا باختيار مفردةٍ بعينِها: (ساحت) مستدعيةً شريطًا من الصُّوَر عن سياقِ الكارثة النووية و(انصهار/سيَحان) الأشياء أكثرَ من انهيارِها .. هنا أنتَ مدفوعٌ باختيار المفردَةِ داخلَ الصورةِ إلى اكتئابٍ أبوكالبسيٍّ محتَّم ..
ب‌- استيرادُ أبنيةِ الجُمَل الإنجليزية وتعريبُها ، كما في اختيار المؤلف في كثيرٍ من المواضعِ للسؤال التذييليِّ المختصر للتقرير: “لا؟” بدلاً من “أليسَ كذلك؟” .. من المؤكَّد أن ازدواجية لغة المؤلف مسؤولةٌ بشكلٍ كبيرٍ عن هذا الاختيار .. لكنَّهُ يظلُّ اختيارًا في النهايةِ ، أي أنه مقترنٌ بقصديةٍ لا تخفَى، ربَّما لإحالةِ القارئ العربيِّ مزدوجِ اللغةِ إلى إنجليزيتِهِ لإثارة سؤال الهُوِيَّةِ حتى على مستوي الـtag question!!
ت‌- الإحالاتُ المعرفيةُ المُضمَرَة .. أعني بذلك الجُمَلَ البسيطةَ التي تردُ في سياقٍ ما، وتُحيلُ قارئها إلى وعيِهِ بحقلٍ معرفيٍّ بذاتِه .. من أمثلة ذلك قول (الشوربجي) في القسم الأول كذلك واصفًا حالَهُ في أيام انهيار زواجِهِ وابتعاد زوجته عنه جسديًّا: “هكذا أقولُ لنفسي، وأستمتعُ بالتَّبَرُّزِ أكثر مما ينبغي”. إحالةً إلى تصوُّر (فرويد) عن مراحل النمو الجنسي في الإنسان، وتحديدًا لما أسماه بالمرحلة الشرجية .. هذا الارتداد المُحزِن يُفترَضُ أن يثيرَ شكلاً من أشكال التعاطف لدى القارئ الذي يعي ذلك التصور ..
ث‌- تفصيح و(ترسيم) ما هو دارجٌ كاستبدال الجمل الاعتراضية التي تردُ دعاءًا للمُخاطَب في الرسائل التراثية مثل (فاعلم – أصلحكَ اللهُ – أنَّ …) بعبارةٍ وحيدةٍ هي (قشطة عليك) .. يحدثُ هذا بشكلٍ عرَضِيٍّ عند الجميع، كوسيلةٍ لاختراق هيبة النَّصِّ وإحداثِ قدرٍ من تغريب المتلقي على استحياء .. لكنَّ (رخا) يستخمه بشكلٍ منهجيٍّ مقصودٍ لذاتِهِ، فيضرب عدةَ عصافير بطلقةٍ واحدة، فهو يسخر من الأبنية التراثية المتجذرة في وعينا الجَمعِيِّ وينسفها، ويصالحُنا على ما نقولُهُ خارجَ الصفحة بشكلٍ ما أو بآخَر، ويضعُ القارئ على أرجوحةِ الإيهام وكَسرِهِ بطول الرواية.

آه! هناك المجموعةُ الخامسةُ الأبرز على الإطلاق، لكنَّها كانت كفيلةً بأن تقلبَ وحدَها إدراكي للموقف البلاغي للرواية من (تأسيسٍ لبلاغةٍ جديدةٍ) إلى (نهايةٍ للبلاغة) .. أعني بذلك .. أعني .. أعني ……!
ربَّما دارت البلاغةُ الحديثةُ كلُّها حولَ مغازلةِ المُحرَّم/التابُو .. لا يفعل (يوسف رخا) كالآخرين .. إنه يخترقُ التابُو إلى نهايته .. لا توجدُ كلمةٌ نابِية .. كلُّ الكلماتِ أدواتٌ متاحةٌ، فلنقتَرِفها معًا جميعا .. في عزِّ اللغةِ التراثية التي يعتمدُها لفقراتٍ بأكملِها، يفاجئني بكلمةٍ كان مفترضًا أنها (تابُو) فيما قبل، فأقعُ في فخ (هنري برجسون) الذي لا فِكاكَ لي منه مُجدَّدًا، وأدركُ تحوُّلَ اللغةِ إلى آلةٍ غبيَّةٍ يبدو أنها تتعطَّلُ رغمًا عن أنفِها، فأموتُ من الضحك.
ما أريدُ أن أخلُصَ إليه هو أنه بالتوسُّعِ المُمَنهجِ في هذا الاستخدام للغة ، لا يعودُ هناك مكانٌ لما يُسمَّى في الاصطلاح الإنجليزيّ Euphemism وهو تلك الكنايةُ (أو ربَّما هو الفألُ الحسنُ في سياقٍ ما) التي تحلُّ محلَّ كلمةٍ لا نحبُّ ذِكرَها ، وتعتمدُ إزاحةً دلاليةً بعينِها لكلمةٍ أخرى .. فعضوُ الأنثى التناسلي في الأقسام الأخيرةِ من الروايةِ ليسَ إلا اسمَهُ كما يقولُهُ المصريون والشوامُ في جلساتهم المتحررة .. ليس مِهبَلاً ولا عَجانًا ولا إنسانًا ولا غيرَ ذلك مما يمكنك أن تفكرَ فيه .. ليس ذلك فحَسبُ، وإنما هو يأتي مُشكَّلاً بالتشكيل العربي الرصين، كخطوةٍ أولى في سبيل اعتمادِهِ لفظةً رسمية!! كيف يمكن أن تبحثَ اللغةُ بعد ذلك يا عم (يوسف) عن كنايةٍ أو يوفيميزم؟؟ من الآنَ فصاعِدًا ستُقترفُ الإزاحاتُ الدلاليةُ عن اختيارٍ فضفاضٍ، كما فعل (الشوربجي) نفسه حين سمَّى عُضوَ (كلودين): (الباشمهندس) ..! صحيحٌ أننا نستخدم كمصريين هذا اللقبَ للإشارة إلى فصيلٍ غير متجانسٍ واسعٍ من الأشياءِ والأحياء، إلا أن (الشوربجي) اكتشفَ مبرراتِهِ البَعديةَ لهذه التسمية لاحِقًا، فعضوُها هندسَ له عالَمَهُ المُنهارَ في الفترة التي تلت اكتشافَهُ لمهمته المقدسة وأضفى معنىً ما على حياتِهِ، بالإضافةِ إلى أنَّهُ يشبهُ أباهُ في تضمُّخِهِ بعطرٍ خاصٍّ جدًّا، هو المسكُ الأبيضُ في حالة أبيه المهندس، والرائحةُ الحميمةُ لـ(كلودين) في حالة عضوِها!
هاه؟! هل الاختيارُ مسؤولية؟؟ يبدو أننا في المرحلة القادمة من الأدب على أبوابِ اختيارٍ غير مشروطٍ على الإطلاق .. هل نحنُ أمامَ تجلٍّ آخرَ لمفهومِ (سارتر) عن الأدب الملتزم والمسؤولية المبنيةِ على الاختيار المُطلَق؟؟ رُبَّما .. الأكيدُ هو أن الكناية صارت اختيارًا حُرًّا، نركبُها أو نتركُها، وليست حتميةً كامنةً في اللغة لا مفرَّ منها كما هو الحالُ قبل (الطُّغرَى) ..

· أرجوحةُ التغريب والإيهام: بين (خُطبة الكتاب) التراثية و خاتمته التراثية كذلك، وإجمالهما لتغيُّر راوي الأحداث من شخصٍ أول هو البطلُ (مصطفى الشوربجي) في الأقسام الأول والثاني والرابع والخامس والسابع، وراوٍ آخرَ غير معيَّنٍ يتكلمُ في الأقسام الثالث والسادس والثامن والتاسع، تتمثَّلُ الأرجوحةُ القاسيةُ التي تطرحُ المتلقي في بئر الوهم الأدبي على مخملٍ ناعمٍ كما في حُلم (مصطفى الشوربجي) الذي يعاودُهُ كثيرًا ويمثلُ معادلاً موضوعيًّا ما لعدةِ أشياءٍ ((بينها هذا الأمرُ وبينها اكتشافه لجسد (كلودين يوسف) وبينَها الطريقُ المخمليُّ في قصر السلطان والذي يشبهُ إرهاصاتِ الكارثة))، ثم تعودُ تنتشلُهُ من هذا البئر، فيقول الراوي نصف العليم في الأقسام الأخيرةِ (من كوكبِنا نحنُ) حين يرصُدُ أحداثَ الأيامِ الأخيرةِ للشوربجي قبل سفره إلى بيروت. شبهُ الجملةِ الافتتاحيُّ هذا بحدِّ ذاتِهِ يمثل جهدًا جبّارًا في محاولة فصل ذاتِ الكاتب عن مجرى الأحداث ليرصُدَها برؤيةٍ مختلفة .. لكنَّهُ يتماهَى في النهايةِ مع (الشوربجي) كما يعترف بذلك في خاتمة الكتاب، عن طواعيةٍ تنتصرُ لمركزية الذاتِ في العالَم ..
ربَّما يتصلُ الأمرُ برؤيةِ (يوسف رخا) لدَور الروائي .. أرَّقني هذا الهاجسُ وأنا في منتصف الرواية تقريبًا .. هل على الروائيِّ أن يكون راصِدًا محايدًا تدور الأحداثُ من حولِهِ وليس له إلا أن يروي ويُبدي دهشتَهُ في بداية الرواية ونهايتِها كما فعل (دوستويفسكي) في (الإخوة كارامازوف)، أم يُفترضُ أن يشاركَ في صنع الواقع الروائيِّ وينقلَ إلينا رؤيتَه طول الوقت؟؟ أم أنَّ هذا السؤال قديمٌ وعفا عليه الزمنُ ولا مجالَ لفتحه لأنه موغلٌ في السذاجة؟!!
المهمُّ أن هذه التقنية الأرجوحيةَ تسهمُ بقدرٍ ما في إثارةِ وعي المتلقي .. تكشفُ بقدر ما تحجُب .. هل .. هل يمكن أن تقفَ على الموقف الأيديولوجي للمؤلفِ مثلاً بعد قراءة الرواية؟ نعم ، الراوي يتفق مع (الشوربجي) – كما يتبين في خاتمة الكتاب- على التماهي مع رؤيته والكتابة بطريقته، لكنَّ (الشوربجي) يبدأ الأحداثَ حائرًا ممزَّقًا (طلعان ميتينه – كما يحب أن يقول)، ويُنهيها حائرًا باحثًا عن حلّ .. هل سيجدُ حلاًّ ما لأزمة وجوده؟ لا أتصوَّرُ أنه بإمكان أحدهم أن يجزم بذلك، إلا أن يقول أن الرحلةَ بذاتِها/ السَّفر هو الحل (إشكالية رواية ساحر الصحراء لكويليو) !!

· توتُّرُ القيمة: هل كان ضروريًّا أن ينخرط (مصطفى الشوربجي) في علاقةٍ (آثمةٍ) مع (كلودين) ويعبُرَ (باشمهندسَها) لكي يصِلَ إلى مكان رقٍّ من رقوق سورة (مريم) الموعودة؟! يبدو أنَّ هذا مقصودٌ بوعيٍ قاسٍ هو الآخَر .. ربَّما اختيرت سورةُ (مريم) لأنَّها تعبر – كما يقول السلطان أو الشوربجي في ذلك المشهد ، لا أذكر – عن تسامح الدولة (العَلِيَّةِ) العثمانيةِ إزاء (النصارَى) .. رُبَّما .. فهل كان اختيارُ عضو (كلودين) مَعبرًا إلى السورةِ سابقًا أم لاحقًا على اختيار السورة؟؟ أعني أن شخصيةَ السيدة (مريم) (العذراء) هي المعادلُ الموضوعيُّ للعذرية والاحتفاء بها في الإسلام (الهوية المطروحة للبحث والمناقشة بطرقٍ مختلفةٍ في الرواية)، فماذا الآن؟!!
المدهشُ أنَّ (الشوربجي) يتساءلُ وهو أمام عضو (كلودين) عن سرِّ انطباقِهِ على بعضه وخجلِهِ العذريِّ ، وهو الذي تخيلَهُ شَبِقًا منفتحًا على الدنيا باعتبار أنها زوجةٌ وأمٌّ لأكثر من طفلٍ منذ عددٍ من السنين .. ثُمَّ هو في النهاية شبهه بزهرة تيوليب (خزامَى)، وأخيرًا بزهرتَي تيوليب فوق بعضهما، ثم رسم الزهرتَين أعلى إحدى صفحات الكتاب!
إلى هذا الحدِّ يمتزجُ الإثم والبراءة؟ ربَّما اختيرت سورةُ (مريم) دون بقيةٍ سور القرآنِ للإشارةِ إلى شيءٍ أعمقَ من مجرد تسامح العثمانيين مع المخالفين في الدين .. إنه تسامح واستيعابُ الهوية المفتقدَة نفسِها للإثم وخرق المحظور .. أتصوَّرُها رسالةً ضمنيةً في الروايةِ تستحقُ البحثَ والتوقفَ عندها ..

· روايةُ المؤامرة؟!: أو بالأحرى رواية التهكم على المؤامرة .. هل الروايةُ فتحٌ في أدب المؤامرة باللغة العربية؟!! تبدو كذلك لوهلةٍ عند منتصفِها .. السلطانُ العثمانيُّ الأخيرُ يتلبَّسُ جسدَ صحافيٍّ ضئيلٍ يمثلُ في عينَي (الشوربجي) الصورةَ الحيةَ لانهيار المجتمع المدني .. السلطان العثمانيُّ الأخيرُ مهديٌّ منتظَرٌ بديل .. السلطانُ العثمانيُّ الأخيرُ مسيحٌ بديلٌ للمسيح المفترضِ عودتُهُ للأرض في الإسلام السلفي (الأرثوذكسي كما يحب الشوربجي أن يسميه) .. والسلطان (محمد وحيد الدين خان بن عبد المجيد) يعيشُ حياةً برزخيةً ذاتَ طابعٍ خاصٍّ كالتصور الإسلامي الشائع عن المسيح، والتصور الاثنَي عشريِّ الشيعي عن المهدي المنتظَر .. يكتب السلطان سورةَ (مريم) في سبعة رقوقٍ تضيعُ منه كلُّها لتتبعثَرَ في أركان الأرض .. أوه! نحن أمامَ (مريم مجدلية) موازية لتلك الموجودة في (شفرة دافنتشي)! والعثورُ على هذه الرقوق السبعةِ مقدمةٌ لابُدَّ منها – بطريقةٍ غامضةٍ تهكميةٍ مقدسةٍ غيبيةٍ في آنٍ – لعودة الخلافة واستئنافِ الهوية الإسلامية .. يرحلُ (الشوربجي المختارُ) في نهاية الرواية إلى بيروت سعيًا وراء (معروف شالجي) الخطّاطِ العراقيِّ صديق والد (كلودين) الذي وجدَ نسخةً بخطه من أحد الرقوق به أولُ سورةِ (مريم) عند (كلودين) .. الخطّاط هو الآخرُ شخصيةٌ حاضرةٌ غائبةٌ في الرواية .. شخصيةٌ عبقريةٌ مرسومةٌ بأستاذية .. ذلك البدين الذي له لهجةُ المواصِلَةِ الخَشِنَةُ المتقاطعةُ مع لهجة الحلبيين بالشام، والذي يُفَضِّلُ أن يُنادى (معروف أفندي) كالسلطان الذي لا يحكم .. شخصيةٌ جديرةٌ بروايةٍ لها وحدها!! رغم أنَّ القصدَ واضحٌ في النهايةِ المفتوحةِ الحائرةِ، إلا أن جزءًا ثانيًا من الروايةِ ليس احتمالاً مستحيلا .. الله؟! وهل هناكَ احتمالٌ مستحيل؟!
الخلاصةُ أن (يوسف رخا) يطرحُ نظريةَ المؤامرةِ بشكلٍ ما في منتصف الروايةِ ، ثُمَّ يطرحُها من جديدٍ في نهايتها لكنَّهُ يطرحُها (أرضًا) هذه المرةَ ، حين يُعربُ على لسان الراوية غير المعيَّنِ عن تفضيله لأتاتورك على مائة وحيد الدين خان .. رغم أنه ليس موقفًا أيديولوجيًّا واضحًا حتى الآنَ، إلاً أنه كفيلٌ بأن يبصُقَ في وجهِ المتلقّي المسكين ويقول له: “أنت مسؤولٌ وحدكَ عمّا أنت فيه – قشطة عليك” !!
· سوء التفاهم وإشكاليةُ التأتأة!!: لا يُنسَى الفلاش باك المروِيُّ على لسان (ألدو مزيكا) للفقي (وحيد الدين) وهو يتمتمُ بعباراتٍ ملتبسةٍ لم تفهم منها أمُّ (ألدو) الساحرةُ الأفريقيةُ إلا (سولتان لئيم) لتُصَدِّرَ لابنِها فكرةَ أنَّ اغتصاب (وحيد الدين) نجحَ في إخراج الجنِّ الذي يلبسُهُ .. المؤلِمُ هو وعي (الشوربجي) بأنَّ ما قاله (وحيد الدين) في ذلك الموقف بعد أن أفاقَ من إغماءته هو غالبًا (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)، وأنَّ الساحرةَ لم تفهم لأنها ببساطةٍ لا تجيدُ العربية !!
أحالتني هذه الحالةُ الضَّبابيةُ إلى Benjy أو Benjamin الأخِ المتخلفِ عقليًّا في رواية فوكنر The Sound & The Fury ، والذي يروي الفصلَ الأولَ بالكاملِ من الرواية بتأتأتِهِ وجمله المبتورة القصيرة التي لا تفيدُ معنىً متكاملاً ولا تحيلُ إلا إلى ذاتها .. من المؤكَّدِ أنَّها كانت مغامرةً مدهشةً من (فوكنر) .. مغامرةُ (يوسف رخا) أضيقُ من مغامرةٍ (فوكنر) لكنَّ قسوتَهُ في معاملةِ نموذجهِ الانهياريِّ (وحيد الدين) أبشعُ من قسوة فوكنر/الزمن في معاملة Benjamin !! في هذا المشهد، يُفيقُ (وحيدُ الدين) على الدمِ متفجرًا من شرجِهِ بعد أن يغتصبَهُ (ألدو مزيكا) الذي يُباهي دائمًا بحجم قضيبِهِ، امتثالاً لأمرِ أمه الساحرة وخوفًا من غضبِها عليه !! ما أقسى هذا .. في الجنوب الأمريكيِّ تكفلت الخادمةُ الزنجيةُ الطيبةُ برعاية (بنجامين) بشكلٍ ما وسطَ (الصوت والصخب) ، لكنَّ الساحرةَ الزنجيَّةَ وابنها الصحافيَّ اغتصبا (وحيدَ الدين) الصحافيَّ المسكينَ في قلب القاهرة بعد بداية القرن الحادي والعشرين بعدَّة سنوات .. لا مجال للتأتأة .. لا مجالَ لسوءِ التفاهم ..

· اختيار قالَبِ الرسالة التراثي: حنينٌ إلى ماضٍ يسكن الأوراقَ الصفراء؟ استغاثةٌ خجلَى بشخصٍ ما غير موجود؟ رُبَّما .. يمتدُّ سؤالُ الهويةِ الممزقةِ إلى مسألة اختيار القالَب هنا فيما أتصوَّر .. ليس ذلك فحَسبُ، وإنما في نحت الاسم الذس يُفترضُ أن توجَّهَ إليه الرسالة .. (راشد جلال السيوطي) .. ما أسهلَ أن يحيلَ الاسمُ إلى (جلال الدين السيوطي) أحد أبرز شخصيات العلوم الإسلامية في تاريخ الإسلام ، بجمعه بين التفسير وعلوم اللغة وكتابة المقامات وكل تلك الخصائص اللصيقة بفن الكتابة العربي التراثي الإسلامي .. ربَّما في هذا بحثٌ كذلك عن هويةٍ ضائعة .. استغاثةٌ مكتومةٌ مفضوحةٌ ضاحكةٌ باكيةٌ بمن كتبَ قديمًا، علَّ من يكتبُ الآنَ يصلُ إلى حلٍّ لمعاناته، ونهايةٍ لوضعية الـ(زومبي)!!
· نهايةُ الجغرافيا: أخيرًا، لا يمكنُ أن ننسى انبهارَ (الشوربجي) بالخارطةِ العربيةِ القديمة بألوانها الحنونة وثرائها، في مواجهة الخارطة الأوربية الحديثة المصمتة .. كان مهمًّا أن يختزل (الشوربجي) علاماتِ قاهرتِهِ في طغراءِ آخر السلاطين العثمانيين حتى تعودَ له القاهرة وحتى تكتملَ بين يديه .. المدينةُ التي نُسِبَت إلى المِرِّيخِ وقتَ بنائها بالخطأ كما يروي هو من كتب التراث في بداية الروايةِ لا ذاكرةَ لها كما يُورِدُ في نهاية الرواية .. كان عليه أن يبتكرَ رسمًا يحفظُها له .. حتى لو كان هذا الرسمُ محورَ حياتِهِ هو .. حتى لو تشخصنت القاهرةُ فيه فأصبح الدقي (جسرَ المنامِ) ، والمعادي (درب الكلب) وكوبري الدقي (النيل الناشف) وكارفور (خانَ السِّرّ) ووسط البلد (باب الدنيا) .. عليه أن يهبَها ذاكرةً من نسجه ، ويا حبَّذا لو كان للرَّسم معنىً ما من قبلِهِ لتكونَ له هيبةُ وحصانةُ القديم .. إنه ختمُ الهُوِيَّةِ الضائعة .. ختمُ الهويةِ المُفتقَدَة .. جغرافيا مقياس الرسم والألوان المتدرجة والمرتفعات والطرق وما إلى ذلك ليست كافية .. فلتذهب هذه بحماقتِها وسًخفِها وإحالتِها إلى ذاتِها .. فلتذهب إلى غير رجعة .. ولتكن هناك جغرافيا جديدةٌ خطِّيَّةٌ من طغرَى آخر السلاطين .. طغرى (يوسف رخا).