• كتاب الطغرى، غرائب التاريخ في مدينة المريخ

     

    اول رواية للكاتب المصري يوسف رخا. صدرت الرواية عن دار الشروق وقد وصفها كاتبها الكبير حقاً بأنها “استحضار خيالي للقاهرة بعد عام 2001 وتأملات في انحدار الحضارة الإسلامية”، وتتتبع الرواية أخبار صحفي  بمؤسسة صحفية كبيرة يدعى مصطفى الشوربجي يومًا بيوم، من 30 مارس/آذار إلى 19 أبريل/نيسان 2007. وتنقسم إلى تسعة أقسام، كل قسم يعني رحلة يقوم بها مصطفى داخل حدود القاهرة التي أعاد تسمية أحيائها وضواحيها.

  • دايما كوكا كولا

     

    تعبّر أحداث الرواية، عن واقع بعض النماذج المعاصرة من الشباب. فتيات وشبان يعيشون في معمعة من اختلاط المفاهيم والقيم وحتى من اختلاط الهويات الجنسية. فالمرأة قد لا تكون أنثى والرجل قد لا يكون ذكراً. حقائق يجب أن تقال، وواقع موجود وحقيقي تعكسه هذه البوتقة من الشخصيات التي ركبتها الراوية، والتي وإن كانت هامشية في تركيبتها الاجتماعية، الا انها تفضح اختلال مجتمع غير متماسك، يدفع أبناءه الى الانحراف.

  • سرمدة

     

    رواية سرمدة الصادرة عن دار «الناشرون في بيروت» هي الرواية الأولى للكاتب السوري فادي عزام. تحيل مباشرة إلى تلك الغبطة الشهية للقراءة، بقدرتها الفنية الفذة، وبنيتها السردية المتقنة، وجمالها الآسر. نحن أمام عمل روائي يعد بالكثير. 

  • كتاب الطغرى، غرا...

  • دايما كوكا كولا...

  • سرمدة...

 
 

ألكسندرا شريتح تبعد الحرب بركلة قدم

في العقدين الأخيرين، عرفت بيروت تجربة ثقافية كاملة، فالحياة التي اختبرتها بعد الحرب كانت اندفاعاً محموماً نحو العصرنة والإعمار واللحاق بما فاتها في الموضة كما في أنماط العيش. والعاصمة التي كانت تعيد بناء فضاءاتها وعاداتها وترسي صلات اجتماعية جديدة، وتختبر اللقاء مجدداً بالسائح والعابر والأجنبي، كانت أيضاً تشهد ولادة جيل جديد ستتكون ذاكرته من معايشة هذه الحقبة، التي شهدت تمرساً في أنماط جديدة في التكنولوجيا (الفضائيات التلفزيونية، الانترنت، الهواتف الخلوية، صناعة الاعلان..) واستقبالاً مستجداًَ لقيم وأفكار وعادات وطرائق تعبير، ستغير بطبيعة الحال في اللغة والسلوك والمظهر.
هذا الجيل الجديد بنوازعه وذاكرته ومزاجه، له بالتأكيد سياسته الخاصة وثقافته المخصوصة، له انفعالاته واساليبه في الحضور، وفي تدبير يومياته، كما في تلقي الفنون وإنتاجها وتذوقها. والأهم ان له خريطته الخاصة في مداورة المدينة والتنقل فيها وملئها وتأليف صورها على ما يشتهيه، وتكريس ما يشبهه ويفتنه فيها. وبمعنى آخر، انه يؤلف حولياته وزمنه ومدينته، ذاك التأليف الذي يخرجه من كنف الأهل والوصاية الى «مغامرة» الاستقلال وتبعاته.
تأسيساً على ذلك كله، واذا اعتبرنا فن الرواية هو فن المدينة الحديثة، فان روايتي «دايماً كوكا كولا» و«علي وأمه الروسية» للشابة ألكسندرا شريتح (23 عاماً) هما رواية هذا الجيل الجديد بلا منازع. إنهما الخلاصة المفاجئة لتلك الحقبة الاستثنائية التي عاشتها بيروت صخباً وأحداثاً وتحولات عنيفة.
بسردية عصابية، مفككة البنية واضحة القراءة، دقيقتها في آن معاً، سنكتشف مع «دايماً كوكاكولا» وبشخصيات فتياتها الثلاث «عبير ورد» و«ياسمين» و«يانا» السيرة المختصرة للانقلابات الاخلاقية والسلوكية والثقافية لهذا الجيل، الذي تسيّره الخفة والحيرة والمستأنس غالباً للتجاورات في كل شيء من غير انحياز تقريباً. جيل «بلا قضية» يصطدم بالموروث وبالمستجد على حد سواء ويركض لاهثاً مبتدعاً الحلول، غارقاً في ايقاعات الاستهلاك والمتطلبات الجسدية، ببلاهة وبذكاء معاً، أو بنوع من الابداع المموه بالسذاجة.
يحدث كل هذا بكتابة لاهثة لحياة راكضة ومتوترة، لكن بابتهاج مستمر، فتبدو الرواية عبارة عن تدفق خطر لا يجرؤ عادة عليه الكتّاب المتمرسون، فـ«دايماً كوكا كولا» تبدأ في الفترة التي كانت فيها الراوية بطلة الرواية جنيناً. والى حين نزول هذه البطلة الى الصيدلية لشراء بلسم للشفاه وهي في ذروة صباها، تنقضي فحسب ثلاث صفحات من الحجم العادي.
السمة الاساسية للراوية هي الايماء بالقضايا، بالثيمات وبالأفكار، بوميض من المحاكاة الساخرة وقدر قليل من الهزل والكثير من الجدية المواربة، اي المشكوك فيها على نحو غامض ومقصود. فنحن هنا ازاء الكوكاكولا، المجلات النسائية، الأزياء، اغنيات البوب العربية، الفيديو كليب، والتلفزيون واللوحات الاعلانية وفتيات الاعلان والستاربكس ومحلات التجميل والتدليك والفوط الصحية والعلاقات العاطفية خارج الزواج ومحورية الهاتف الخلوي وسيطرته على التواصل الاجتماعي بلغته وايقاعه وتقنياته. وهنا تتفتح امامنا الحياة الحارة والطازجة بغبارها ومعدنها ودمها.
وما يحيرنا هو هل هذا زخم الحياة نفسها أم زخم ايقاع الرواية الذي يفرضه اسلوب كتابتها. ايقاع مرح تعمد الكاتبة لتحافظ عليه الى التكثيف وتتجرأ في الاختصار والقفز من فقرة الى اخرى. وهذه البراعة في اثارة المتعة اثناء الكتابة يمكن ارجاعها الى عين الراوية اللامبالية، لكنها المفترسة والنهمة لملاحظة التفاصيل من دون افساح في المجال لـ«الضعف العاطفي» . فمثلاً يبدو مشهد «الاغتصاب» الذي تعرضت له الراوية عبارة عن فقرة صغيرة (14 سطراً) بلا أي عناية خاصة، بلا تفجع… انه حادثة مؤثرة تماماً لكنها ايضاَ حادثة عابرة.
هل يمكن الحديث هنا عن رواية تشبه صورة الفتيات اللبنانيات بالكليشيه الذي يؤطرهن فيه. وبما يتعدى هذا الكليشيه ايضاً نحو كشف ثقافي لتلك الصورة بكل احتمالاتها وتنويعاتها؟ فعلى الرغم من خلو الرواية من اي نزعة سيكولوجية أو سوسيولوجية- والأهم بلا أي شاعرية فان ما يهيمن على «دايماً كوكاكولا» (وأيضاً» علي وأمه الروسية») هو ما قد نسميه بـ«الوعي الكئيب». ففي مقابل الخفة والذكريات الهزيلة والتسطيح والتبسيط الأشد تعقيداً من التركيب والتحليل، ينبثق هذا الافراط في الواقعية (أكثر واقعية من الواقع) فيتعذر اقامة الفارق بين الخيالي الأدبي والواقعي الوقائعي. بل يصبح التمييز بينهما عاطلاً عن العمل.
بهذا المعنى فإن صورة الفتيات اللبنانيات في الرواية تطابق فكرة «الموضة بوصفها السيادة للنماذج الزائلة، وبوصفها صورة في الرغبة وفي الإيثار الاجتماعي الاخلاقي والسياسي. وصورة ايروسية معكوسة في الجسدي الإفتتاني. لكن ولا مرة كان هذا المعنى الا في شخصيات حية وعادية وواقعية.
واذا كان «ارق» الرواية العربية هو ثالوث الجنس الدين السياسة، فإنه عند الكسندرا شريتح لا يوازي شرب زجاجة كوكاكولا من ناحية ومعضلة معكوسة من ناحية اخرى, فالجنسي ليس كبتاً ولا اشباعاً. انه فحسب جزء من صورة الإيثار وصنع صورة الرغبة (ما يطابق الموضة) لا تحققها. اما السياسي والديني فهما في الرواية متروكان للمفارقات الضئيلة والسخيفة كي تعمل على تهفيتهما بلا هوادة. وما يبقى هو الجسدي البيولوجي وضراوته ومكابداته للحاق بالنماذج (صورة الاعلان وفتياته) او لمعاكسته (في «دايماً كوكاكولا» معضلة الحيض وفي «علي وامه الروسية» مشكلة التبول).
انها الخفة، «حيث يتركز حزن الحياة كله» كما قال مرة ميلان كونديرا، فهنا مع رواية الكسندرا شريتح يتحد الشكل العابث بالموضوع الخطير لتتكشف المأساة بتفاهتها الرهيبة (حساسية مميتة من اكل التبولة مثلاً)، وسنكتشف نحن قراء «دايماً كوكاكولا» تلك القوة التحريرية للرواية، حيث تهيمن حكمة اللايقين.
وسننتبه اكثر الى هذا الانجاز عند الروائية، فاللغة الادبية عندها عرضة للخلخلة والتجاهل والتصديع.. بعناية مركزة. وثمة دوماً اندفاع لما هو هامشي وشاذ الى متن الانشغال الروائي ورفعه الى مصاف القيمة الاساسية. ويبدو ذلك واضحاً في كل تلافيف الرواية وفي عنوانها أصلاً. لذا فهي رواية تتحصل على شروط انتسابها الى «ما بعد الحداثة» بنضارتها ودهائها الآسر.
الصدمة تتجلى في روايتها الثانية «علي وامه الروسية» وهي عبارة عن تدوين لرحلة حاملي الجنسية الروسية في باصات اجلاء من لبنان عبر سوريا اثناء حرب عام 2006. شخصية «علي كمال الدين» نموذجية لأي شاب من الجنوب متحمس للمقاومة وكاره لاسرائيل واميركا. يشترك في التظاهرات والاعتصامات الطلابية مع ذلك يقرر الذهاب مع امه الروسية لا البقاء في زمن المحنة ومواجهة اسرائيل . الراوية التي تلازمه في الباص مصابة بالتهابات في المسالك البولية ولذلك فان مجريات الرحلة ومجريات الحرب تتقطعها دوماً حاجة الراوية للتبول.
وخلال الرحلة سنكتشف عبر محطاتها كل المخبوء والخفي وشيئاً فشيئاً سنعرف ان علي مثلّي في ميوله الجنسية ثم انه من ناحية جدته لأمه، يهودي، وان ما تتلقاه الجدة من اسرائيل (هي المقيمة في روسيا) تشكل الاعالة الاساسية لزوج اخت علي، المتعصب دينياً وسياسياً ضد اسرائيل وضد الروس وعاداتهم وضد الغرب.
هذه الحبكة مبثوثة بشذرات موزعة في الرواية وتتخلل الحاجة الدائمة للتبول والتفاهات الكثيرة التي تسم الرحلة التي تنقل الروسيات «العاديات» واطفالهن والروسيات «العاهرات» الهاربات من بيروت الحرب.
علي الذي يصف اليهود بـ«الكلاب والخنازير» سيكون على رأس الحشد في مطار موسكو امام الصحافيين ليطلق التصريحات النارية والشتائم ضد اسرائيل. لكن الرواية تقول «شاهدت الأخبار على العديد من القنوات التلفزيونية التي بثت تقارير مفصلة عن حملة الإخلاء، لكن اياً منها لم تبث شيئاً مما صرح به علي».
في الروايتين ما من ادانة لشيء. لكن الهزل وحده، اللايقين الما بعد حداثي هو الموقف، حيث يتوحد أقصى ضرب من الأسئلة الخطرة مع اقصى ضرب من خفة الشكل واللغة.
الكسندرا شريتح، بطلة رياضة التاي بوكسنغ (العنيفة) وجهّت لكمات موجعة الى عالم الأدب والكتابة في لبنان. وسنحفظ اسمها جيداً.

يوسف بزّي

المستقبل