• كتاب الطغرى، غرائب التاريخ في مدينة المريخ

     

    اول رواية للكاتب المصري يوسف رخا. صدرت الرواية عن دار الشروق وقد وصفها كاتبها الكبير حقاً بأنها “استحضار خيالي للقاهرة بعد عام 2001 وتأملات في انحدار الحضارة الإسلامية”، وتتتبع الرواية أخبار صحفي  بمؤسسة صحفية كبيرة يدعى مصطفى الشوربجي يومًا بيوم، من 30 مارس/آذار إلى 19 أبريل/نيسان 2007. وتنقسم إلى تسعة أقسام، كل قسم يعني رحلة يقوم بها مصطفى داخل حدود القاهرة التي أعاد تسمية أحيائها وضواحيها.

  • دايما كوكا كولا

     

    تعبّر أحداث الرواية، عن واقع بعض النماذج المعاصرة من الشباب. فتيات وشبان يعيشون في معمعة من اختلاط المفاهيم والقيم وحتى من اختلاط الهويات الجنسية. فالمرأة قد لا تكون أنثى والرجل قد لا يكون ذكراً. حقائق يجب أن تقال، وواقع موجود وحقيقي تعكسه هذه البوتقة من الشخصيات التي ركبتها الراوية، والتي وإن كانت هامشية في تركيبتها الاجتماعية، الا انها تفضح اختلال مجتمع غير متماسك، يدفع أبناءه الى الانحراف.

  • سرمدة

     

    رواية سرمدة الصادرة عن دار «الناشرون في بيروت» هي الرواية الأولى للكاتب السوري فادي عزام. تحيل مباشرة إلى تلك الغبطة الشهية للقراءة، بقدرتها الفنية الفذة، وبنيتها السردية المتقنة، وجمالها الآسر. نحن أمام عمل روائي يعد بالكثير. 

  • كتاب الطغرى، غرا...

  • دايما كوكا كولا...

  • سرمدة...

 
Dec
09

ملاحظات على ضعف الرواية البوليسية العربية

رفيق شامي

عندما قتل أحد الشبان أخته الصبية الجميــلة ذات اللسان الأخــاذ، لأنها أحبت رجلاً مسيحيــاً بكى الحي بأكمله. هذه الشجرة التي حلمت سبعة عشرربيعاً بثمر أينعت وجناته ، ديست بأقدام القبيــلة قبل أن يعقد زهرها. كنت آنذاك في السادسة عشرة من عمري، لم أفهم ولن أفهم أي مبرر لما قيل ويقال عن شرف الرجل العربي الذي لم يبق منه عبر قرون الذل سوى هذا المسخ الصغيرالذي وضعوه بين ساقي المرأة، ليتخلصوا بجبن من مسؤوليته، ويلصقوا تهمهم بالمرأة متى حلى لهم ذلك، مفجرين حمم بركانهم فوق رأسها، متى عجزوا عن تحمل الضغط النفسي الحاصل نتيجة ذلهم ليل نهار، وعلى عينك يا تاجر.

المرأة ذلك الإنسان الجميــل تتحول لصمام أمان في مجتمع مريض.

إمتلأ قلبي آنذاك بالحقد على عشيقها الذي كان يتلاعب بعواطف النساء، وهو الرجل الجميــل والفارغ إلا من شبقه الذي إفترس كل نخاعه كما قالت جارتنا الحكيمة أم إلياس. لم يحقق أحداً في الموضوع ولم تكلف نفسا ذاتها بتفسيرسبب القتل ومن هم الجناة ( بالجمع لا المفرد). قبع أحمد الأخ القاتل في السجن سنتين وخرج محمولاً على الأكتاف وكأنه حرر الإسكندرون وفلسطين لتوه.

تذكرت في تلك الفترة حادثاً رهيباً ضج له الحي المسيحي لفترة. كنت آنذاك في السابعة أو الثامنة من عمري. فذات يوم صيفي قائظ أطلق أحد الرجال النار على زوجته فأرداها قتيلة وتوجه إلى الكنيسة وأطلق النار هناك على كاهن شاب فأصابه بجروح بسيطة.

أصبحت هذه الجارة البسيطة في كل شيء بين ليلة وضحاها مزيج ملتهب من ليلى وبثينة ومارلين مونرو، وتحول الكاهن المتواضع رغم معرفة الجميع بطيبة سريرته إلى مزيج غريب عجيب من ذئب في ثياب حمل ودونجوان بزي متقن التمويه.

غرق الحي نتيجة طوفان ينابيع ذاكرته بآلاف القصص. وخلطت أيدي طهاة مهرة من الأساطيرما طاب لها، وطبختهم مع الحدث لتخرج رواية لا أول لها ولا آخر عن علاقة غراميــة بين الكاهن والزوجة. اعتقل القاتل ليوم واحد أو لأسبوع ونتيجة لهذيانه المتواصل حولوه إلى المصح العقلي ومن هناك خرج بعد سنة معافاً ولم يعاقب. تزوج وهاجر إلى كندا.

حين ذلك قال الجيران، وكان أصغرهم قد صار معلماً لشرلوك هولمز ومدرساً لفرويد، أن القاتل مجرم بارد الأعصاب ألصق بزوجته التهمة الخبيثة ليتخلص منها ويتزوج عشيقته وريثة الملايين التي لم تطق الإنتظار بعد. وبما أن الطلاق عند المسيحيين الكاثوليك لايزال حتى اليوم ممنوعاً إختارالرجل الطريق الأقصروالأرخص. وقيل فيما قيل أن القاتل كان يعلم علم اليقين أن الكاهن بريء وهو ابن عمة المغدورة. وتفلسف كل من له فم بمقولات رنانة على القضاء المهترئ وعلى جهاز الأمن المنخور بسوس الواسطات. وبكى كثيرون على الكاهن الذي علم أطفالهم أن المسيح محبــة وفرح وليس خوف من جهنم. وكان البطريرك الجبان قد ألقى به إلى أبعد قفار المعمورة.

حلمت آنذاك برجل تحري شريف، خليط من فارس مقدام ورجل قانون لديه مناعة ضد الرشوة ويمتلك ذاكرة التاريخ وذكاءً عظيماً يكشف بهما أسرارالجرائم ويقدمها للقضاء دون تحيز ودون أخذ أحد بعين الإعتبــار. وبدأت بقراءة الروايات الجنائية العالمية باللغتين الفرنسية والعربية ( كما وفشلت مراراً بمحاولتي كتابة قصة حب جنائية مثيرة توضح للقراء غباء القتل … لكن هذه قصة ثانية).

كنت أقرأ القصص بنهم غريب أقلق والدي الذي كان يخشى تدهور أخلاقي بتأثير هذه القصص، فصرت أقرأ الكتب خفية وعندما يصبح الأمر غير ممكن، أحيط الرواية بكتاب مدرسي للتمويه. وعجب والدي جداً من إنهماكي في دراسة الرياضيات ( وكان الكتاب كبير الحجم ويناسب روايات أرسين لوبين جداً).

ولا زلت حتى اليوم أشكر تلك اللحظات وقشعريرة البدن لمجرد القراءة وهو شيء يشبه السحر. ومنذ ذلك اليوم وأنا أهتم بالرواية البوليسية.

وكقارئ، فإنك تجد في الأدب العربي كل أنواع الروايات إلا البوليسية، فهي قارة شبه مجهولة في أطلس الرواية العربية. لماذا؟

سأحاول أولا إعطاء فكرة سريعة عن الرواية البوليسية.

ليس الأدب البوليسي حديث العهد فإن أقدم قصة جنائيــة مؤثرة جداً إخترعتها أذهان شرقيــة كانت قصة قابيل الذي قتل أخيه هابيـل بدافع الحسد. كما تحتوي أسطورة أوديب (سوفوكليس) كأساطير الشرق الأخرى على عناصر كثيرة للقصة الجنائية.

يعتبر الأدب البوليسي من الآداب المحبوبة جداً في أوروبا لكن المحافل الأدبية ظلت ولقرون تحتقره وتعده مادة للتسلية من الوزن الخفيف. هذا الموقف الخاطىء إلى حدود الأمية، تقمص عبر التكرار شكل الحكمة، حتى أنه أصبح من البديهي أن النقاد وعلماء اللغة لا يعالجون أية رواية بوليسية. تجاهل هذا الموقف المجحف جذور الرواية وأحد أهم شروط الإبداع ألا وهو لذة القراءة (أو الإستماع أو الرؤية). وقررأتباعه في غرفهم المليئة بغبار الكتب، أن كل ما يبعث على المرح والتسلية يخفض من نوعية ومستوى الأدب. ويبلغ تأثيرهكذا أيدولوجية معادية للفرح حدوداً هدامة عانى منها على سبيل المثال الأدب الألماني لعقود ألقت به إلى الخلف حتى لم يعد له وزن عالمي، وهو الذي قدم حتى بداية حكم النازيين ( وهم بالمناسبة ألد أعداء الفرح) أجمل الروايات والمسرحيات والأشعار للإنسانية. كتبت يوماً عن سبب هذا التقهقر أن الأدب الألماني يعاني من مرض عدائيته لكل مثيرومسلي. وأنه لم يحدث يوماً أن خشي أحد المحاضرين والكتاب الألمان من الملل وثقل الدم وألا يعترف به كأديب مخضرم، وحتى صار بعض الكتاب الألمان (كظاهرة مرضية للبطر) يفخر أن كتبه لا تُقرأ واهماً وموهِماً أن ذلك دليل على عمقها الفلسفي. وساند كثير من النقاد هذه السخافة وأعلنوا الحرب على كل أدب مفهوم وشيق.

هوة عميقــة فصلت النقاد والأكاديمين عن القراء. وأكثر ما تظهر هذه الهوة بوضوح في حالتي الرواية العجائبية الشعبية والرواية الجنائية. وكلاهما أُحتقر في قاعات الجامعات وعلى صفحات مجلات النقد الأدبي لقرون حتى أرغم بعض الكتاب العالميين هؤلاء المنظرين أن يصمتوا أو أن يقفزوا إلى القطار الذي أوشك أن يغادرالمحطة، ليتغنون من الآن فصاعداً بالعجائبية وبالرواية البوليسية منذ “مئة عام من العزلة” لماركيز و”إٍسم الوردة” لإيكو. ولا زلت أذكر ذلك الأستاذ الجامعي للآداب في هايدلبرغ الذي سخر علناً من ماركيز قبل حصول الأخير على جائزة نوبل ليكتب فيما بعد مديحاً مبالغاً في حماسته عن الكاتب ذاته. هذه فقط للتذكار أن علماء ونقاد الأدب ليسوا سوى بشرعاديين جداً يتبعون على الأغلب ثوابت تراثهم ليبقى كل شيء على حاله أو يتراقصون كورقة خريفية في مهب رياح المذاق ( أو حتى الموضة) التي تعصف بزمنهم ومجتمعاتهم.

لا أود الدخول في تفاصيل بناء الرواية البوليسية وتنوعها بين روايات وقصص المخبرين السريين وبين تلك التي يقوم جهاز البوليس الجنائي الرسمي بالبحث عن القاتل، وأخرى التي يبدو مطلعها أن جريمةً أو حادثا عابرا أودى بحياة شخص ما ومن ثم تتعقد إلى رواية سياسية بوليسية تلعب فيها المخابرات(CIA ,KGB مثلا) الدور الأول، إلى تلك التي لا يكشف البوليس فيها أي شيء بل أحد أصدقاء القتيل. ولن أتطرق إلى التنوع الكيفي بين قصص الجرائم التي تؤلفها نساء عن تلك التي يكتبها رجال. كل ذلك بحث مشوق يطول إستيعابه ويبعدنا عن محور هذا المقال…

ما الذي تعالجه القصة البوليسية؟

على الأغلب تعالج القصص جرائم ( قتل) إذ أن الرواية الجرائمية لا تكتمل دون جثة على الأقل. وبعد أن يلقي المفتش نظرة على القتيل يبحث (والقارئ معه) عن المجرم ويبدأ بتجميع وربط بعض الدلائل والتلميحات (تصدر عفواً أو عبر التحقيق مع الشهود)، كما ويكرر المفتش التمحيص في محيط وظرف حدوث الجريمة (فجثة مصبوبة في قالب إسمنتي وغارقة على عمق 3000م في قاع المحيط ليست يالتأكيد بداية مشجعة لقصة شيقة).

شيئاً فشيئاً تبدو بعض الدوافع التي أدت إلى القتل (على الأغلب المال أو الإنتقام)

ويبدو للقارئ (أولمشاهد الأفلام) عددُ من المشبوهين ويبدأ وهو في سباق مع المفتش بتركيز الشبهات على أحد هؤلاء (على الأغلب أحد الأبرياء) ويبذل الكاتب جهداً كبيراً لزيادة عوامل الشبهة على عدد من الأشخاص لكل منهم على الأقل مصلحة في إنهاء حياة المغدور.

تتصف شخصية المخبر(وفي الآونة الحديثة المخبرة) بالذكاء والخبث والحزم والفردية والكتمان، إذ قلما يبوح حتى لأقرب الناس إليه، ناهيك لأولئك الذين يحقق معهم، عن سره وهدفه حتى ليبدو للقارئ أحياناً أن المفتش يسير في متاهة ليتبين في نهاية الرواية أن كل خطوة كانت مدروسة. ويبالغ بعض الكتاب في رسم شخصية المحقق حتى ليبدو معصوماً عن الخطأ وهذا بحد ذاته الخطأ الأكبر لأن هكذا مفتش تمجه نفس القارئ. وهذا ما يتحاشاه الكتاب المعاصرون فمفتشهم إنسان عادي جداً يخطئ باستمرار لكنه يصل في النهاية بمثابرته وخبثه إلى نتيجة، هذه الشخصية العادية تسهل التماهي بين القارئ والبطل وهو هدف الرواية البوليسية.

تبالغ القصص أيضاً في تصوير الجهاز البوليسي المحلي سلبياً فهو على الأغلب سيء، بطيء الحركة لا يظهر إلا في الوقت الخاطئ ولا يقوم بالتفكير المنطقي وبذلك فهو دوماً على خصام مع المحقق (بطل الرواية).

العلاقة بين القارئ والرواية البوليسية علاقة معقدة فهي علاقة حب لا تماثلها أية علاقة بالآداب الأخرى إلا عند قلة من عشاق الكتاب المدمنين. ورغم إقرار كثير من مشاهير الكتاب كبرتولد بريشت وغيره علناً بمحبتهم للرواية البوليسية، إلا ان الكثير منهم يقرأ هذا النوع من الكتب بسرية وكأنه يخشى أن تلصق به تهمة خيانة زوجته ( الأدب الرزين) مع عاهرة ( الأدب البوليسي) .

وبينما تمتاز علاقة قراء الآداب الأخرى بالكتاب بكل صفات الزواج على أسس محبة هادئة ودائمــة. تتصف علاقة القارئ الموله بالرواية البوليسية بصفات الهوى الملتهب إلى حدود العشق الخاطف والمتأجج والذي تخمد لهبته بعد فترة قصيرة. لذلك قلما يعود قارئ رواية بوليسية لذات الرواية مرات متكررة بينما يعيد أحدنا قراءة بعض الروايات الأخرى مرات ومرات ليكتشف المرة تلو الأخرى وجهاً جديداً للرواية.

هذا لا يعني أن الرواية البوليسية سيئة لأن مدة صلاحيتها قصيرة فهذا يعود لطبيعة تركيبتها كما هو الحال في كثير من المواد الغذائية. لكن على عكس الغذاء يتمتع كل قارئ جديد بالرواية التي لم يسبق له قراءتها. لذلك تحتل الكتب البوليسية مكانا كبيرا في سوق الكتب المستعملة ويمكن شراء أعظم الروايات بعد سنة من صدورها بأبخس الأثمان لأن قلة من قراء الروايات الجنائية يحتفظ بها بعد معرفته للقاتل. لهذا السبب وصفت الرواية البوليسية في إحدى مقالاتي بالبدو الرحل المتنقلين بين مكتبات العالم مقارنة بأنواع الآداب الأخرى التي تسكن المكتبات حتى بعد موت من إقتناها.

الرواية البوليسية جريئة لأنها لا تبتعد عن الإنسان وتنظر إلى الشر ليس عن بعد بل بمجهر وهي تهز المجتمع بصياغة أصعب الأسئلة (عن العائلة، السياسة، الإقتصاد، البيئة والعنصرية) بشكل مثير ودون خطابية. لكنها ليست بطبيعتها سياسية وهي لا تتحمل ككل الروايات الجيدة التسييس الفوقي كما إخترعه منظروا ستالين (وسبب ذلك عجزهم عن فهم طبيعة الأدب وبالتالي دوره. ولأنهم أرادوا تسخيره لخدمتهم مثلما سخروا ملايين البشر وبددوا أرواحهم وأحلامهم ولكن لهذا قصة ثانية).

تتطلب الرواية البوليسية حبكة روائية متينة تحترم قارئها الذكي والمتمرس وتلتهم بذكاء كل صبره حتى حدود إجباره على خداع نفسه وتقليب الصفحات مستبقاً الأحداث ليعرف من هو القاتل.

حاضر القصة

إنتهى الزمن الذي تعامى فيه النقاد عن جزء هام من الأدب. صارت هناك روابط ولقاءات وإحتفالات وجوائزعالميــة خاصة لكتاب وكاتبات الرواية البوليسية في المانيا أمريكا، بريطانيا، سويسرا، أوستراليا وفرنسا. هذا الحضورالكبيــرللرواية البوليسية الذي لم يعشه بلد عربي واحد لم يأت إعتباطا ولمجرد رغبة.

تطورت الرواية البوليسية (والأصح تسميتها الرواية الجنائية أو الجرائمية لأن البوليس ليس محرك القصة بل الجريمة هي المحرك. البوليس على أي حال ليس الفاعل إنما ردة الفعل على الفاعل…) بتأثيركاتبات وكتاب عديدين فليس هناك شك أن عظماء الكتاب مثل دستويفسكي ( الجريمة والعقاب) وإدغار ألن بو(وهو مبتكر أول شخصية للتحري أوغست دوبين) قد تركا أثرا كبيرا على القصة الجنائية. وقد شارك كثيرون من مشاهير الكتاب الذين دفعتهم شعبية الرواية البوليسية ببعض المحاولات في هذا الإتجاه مثل إرنست همنغواي ( تملك أو لا تملك وقد مثل القصة همفري بوغارت).كما أن الكاتب المسرحي السويسري الكبير فريدريش دورنمات كتب لحاجته الماسة للنقود قصة بوليسية ساخرة (القاضي وجلاده) وهي رواية فريدة تدرس إلى اليوم في المدارس كنموذج للرواية البوليسية حيث ينصب المحقق البوليسي نفسه كقاضي إلهي وكلاعب شطرنج عديم الشفقة.

كما يعتبرالكاتب الأرجنتيني العبقري بورخيس وبحق والد الرواية البوليسية في أمريكا اللاتينية .

ومن كتاب الرواية البوليسية الشهيرين ذوي التأثير العالمي البريطانيان آرثر كونان دويل ( مُبتكر شرلوك هولمز) وأغاثا كريستي (مُبتكرة هيركول بوارو والعجوز الفضولية ميس ماربل) والفرنسي جورج سيمنون ( مبتكر شخصية ميغريه) والسويدي مانكيل( مبتكر المفتش فالاندر).

تجسد أغاثا كريستي حالة عبقرية خاصة تتميز بنقطتي قوة في الرواية البوليسية أولا هي إمرأة وثانياً إنكليزية وكلا العاملين مهم جداً. وفعلاً يلاحظ المرء تميز رائع لقصص بوليسية باقلام كاتبات. يبررالبعض ذلك بأن الرجل يقتل المرأة بهمجية ودون مخطط فالدولة دولته والنظام الأبوي نظامه بينما تقتل المرأة الرجل آلاف المرات في تلافيف دماغها وتتفنن بإسلوب القتل ودقة تنفيذه لأنها تعلم ان القضاء الرجالي لا يرحم.

أما أن تكون بريطانيا ( خاصة عاصمتها لندن) لضبابها وإحتوائها دوماً على مظاهرالسمو الإنساني والإنحطاط من كل أنحاء العالم وألوانه في عاصمة كبيرة متعددة الوجوه فقد يكون هذا عاملاً مساعداً، لكن السبب الأهم هو عراقة الديمقراطيــة الإنكليزية وإستمراريتها دون تأرجح للفترة الأطول في العالم (بغض النظرعن مصداقية كثير من شعاراتها خاصة تلك التي تعالج حقوق البشر خارج حدود بريطانيا) وذلك مما هيأ الجو الحر الديمقراطي لأجيال من الكتاب الإنكليز.

الغريب العجيب أن كل هذا التطور والشعبية للرواية البوليسية لم يؤثر إطلاقاً على الكتاب والكاتبات العرب فهم قلدوا كل ذي شهرة من همنغواي إلى ماركيز من سيمون دو بوفوار إلى كوليت ومن كافكا إلى غوركي. أليس من العجيب أن يتعامى الكتاب عن أنجح أنواع الأدب وأكثرها رواجاً وكأنهم صاروا نساكا في صحراء لايهمهم مصير ما يكتبون، أم أن هناك أسبابا أخرى؟

يستغرب المرء غياب الرواية البوليسية الشبه كامل في الأدب العربي ولا يشابه ذلك سوى فقدان رواية عن الديكتاتور العربي. اليس من العجيب أن تكون الروايات البوليسية الأكثر شهرة عن الشرق بأغلبيتها كُتبت من قبل أغاثا كريستي التي رافقت زوجها الثاني (عالم الآثار ماكس مالوفين) في رحلاته إلى سوريا والعراق ومصر.

“جريمة في بلاد الرافدين”، “أتوا إلى بغداد” و”جريمة على النيل”.

اليس من دواعي العجب أن تنتج دولة صغيرة كالسويد(حوالي عشر ملايين نسمة) مثلا أدبا بوليسيا يفوق كما وكيفا كل ما أنتجه 290 مليون عربي. روايات رائعة بملايين النسخ إقتحمت مكتبات العالم. قصص من ماي سيوفال وبير فالو، آرنة دال، ليزا ماركلوند واخيرا وليس آخرا هينينغ مانكيل، الذي ملأ الدنيا برواياتة المشوقة الى حد القشعريرة.

ما هي أسباب ضعف الرواية البوليسية العربية؟

أول سبب في غياب الرواية البوليسية الشبه كلي هو غياب الحرية في كل البلدان العربية. وأنا أعني بالضبط نوعا خاصا من الحرية مفقودا بالتمام والكمال، وهو حرية طرح أي سؤال على أي شخص كان. الرواية البوليسية تعيش وتموت مع السؤال. السؤال هو أول خطوة بإتجاه الحقيقة، وهوبنظري إبن الحرية لكنه كأمه مقموع ومُصادر.

الرواية البوليسية مقياس غير مباشر للديمقراطية والحرية. وهي بالتأكيد ليست مقياساً دقيقاً، لكن وضعها يعطي صورة جيدة عن وضع المجتمع.

لنفرض أن جريمة وقعت في دمشق وهي مدينة ليبرالية نسبيا إذا ما قارناها بمدن السعودية أو السودان أوالجزائر. المغدور ملقى في فراشه وسكين لحام إختفت حتى المقبض في صدره.

يأتي المفتش.

إلى أين يأتي؟

إلى باحة الدارفهو لايحق له الدخول إلى الغرف الخاصة فكلها تعج بما هو محظور على الغريب. إذاً على المفتش أن يعمل بالتيليباتي (التخاطرعن بعد). ولا يكاد يبدأ بالسؤال حتى يأتيه رفيق بعثي مسؤول في الحي – وهو” حمار معبأ ببنطلون” كما يقول الدمشقيون- ويهمس في أذنه، أنه “زودها” بأسئلته الفضولية، وأن العيون إحمرت منه، خاصة وأن البعض يقول أنه تمادى في إحراجه لجار القتيل بطرحه أسئلة لا تطرح وهذا الجار بالمناسبة – وهنا يخفض محب الخير البعثي صوته أكثر – إبن خال سائق رئيس المخابرات الجوية وذاك لا يعرف ربه بالإشارة.

المفتش لديه زوجة تهد حيله، بمقارنته يوميا بإخوتها الذين ذهبوا إلى السعودية لسنتين وعادوا مليونيرية وهو لا يزال يبحث عن القتلة بمعاش لايكفي لعشرة أيام في الشهر. والمفتش لديه إضافة “لصوت العرب” كما يحلو له تسمية زوجته خمسة أطفال يلتهمون الأخضر واليابس وأب مريض بعمر نوح لا يموت.

ما العمل؟

جارة القتيل ثرثارة وجميلة تبدأ بالكلام عن “المغفور له” وأطباعه الغريبة ويبدي مفتشنا إهتماما لأنه يشعر أن الثرثرة تمويه ذكي لمعلومات عن علاقات وزيارات مشبوهة للرجل القتيل وأنه كان قبل سنوات يعمل في سفارة ثم طرد لسبب ما. لكن ما أن يسألها بعض الأسئلة عن التفاصيل حتى يهب زوجها في وجهه. “هذه الأسئلة بلا طعمة ولا يسألها رجل لحرمة.فهمت يا أخي؟ إذا بدك شي إسألني أنا. أنا الرجاااااااال بالبيت” وكأن المفتش دعا الزوجة أن تشرب معه كأس ويسكي في حانة ليلية. هذا الزوج لم يكن ليحرك يد أو رجل لو كان السائل من المخابرات. وماذا عن عائلة القتيل؟ صمٌ بكمٌ يفقهون ولكنهم يؤمنون أن الكلام من تنك والسكوت كذلك. لكن من الأفضل أن تظل الفضيحة في العائلة من أن يصل هذا الغريب إلى حقيقتها التي لا تنفع أحد بقشرة بصل.

ليس على المفتش أن يكون مسلما فقط بل من نفس الطائفة التي يحقق معها. هل يصدق قارئ عربي واحد عاقل أن مفتشا مسيحيا أو يهوديا حتى ولو كان عبقريا

يضع كل سكوتلانديارد في جيبه يستطيع التحقيق في وسط مسلم محافظ؟

هذا ممنوع.

قائمة الممنوعات في جيب المفتش أطول من صف المنتظرين أمام مراكز التموين.

ولنفرض أن خيوط التحقيق وأدوات التحقيق التقنية الحديثة والمستوردة لتوها من الغرب أوصلت مفتشنا البوليسي لسبب ما وليكمل تحقيقه إلى ضرورة إستنطاق مسؤول (درجة ثالثة) في أحد أجهزة المخابرات فهل سيصدق قارئ أن هذا المفتش سيسأل ما يراه ضروريا للوصول الى الحقيقة؟ لا أنفي أنه يستطيع ذلك لمرة واحدة إذا كان يائسا من حياته أو أنه فضوليا يحب التعرف على جهنم قبل موته.

عائلة الرئيس، القائد ، الشيخ، الأمير أو الملك وأقربائهم حتى تاسع درجة لايسمح بسؤالهم أو التلميح بأن لهم يد أو ضلع في هذه القضية.

هل يستطيع كاتب روايات بوليسية عربي أن يصف في روايته رجل دين أوقائد حزب أو عسكري منحرف أو مجرم في قرارة نفسه أو شاذ… إلخ حتى ولو كان ذلك ضرورة ملحة لمصداقية الرواية البوليسية؟

لن أعدد كل ماهوغير قابل للشك أو السؤال أو الوصف في مجتمعنا فهذا ييتطلب زمناً طويلاً ومملاً. لكن يبدو لي المجتمع العربي برواية سلطته، مجتمع ملائكة لا يعرفون شعوراً جنسياً ولا ترد ببالهم رغبة واحدة ممنوعة. في مجتمع كهذا تتحول فيه الرواية البوليسية إلى ناقد عديم الرحمة للكذب ولمنتجه الأول: الطاغية.

الديكتاتورية المفروضة مؤقتا على شعب (مثل تشيلي، اليونان والأرجنتين) قد تعيق لكنها لا تمنع إنتاج رواية بوليسية جيدة. لكن إذا أستمرت الديكتاتورية لأكثر من نصف قرن وتغلغلت في كل خلايا الحياة وحملت في طياتها ثوابت المجتمع كالقبلية والعشائرية، فإن تأثير ذلك يتعدى الإعاقة ويصل إلى ظواهرمرضية من التماهي بين الحاكم والمحكوم، وإحدى أولى نتائج هذا التماهي هو الخصي الفكري.

من جهة أخرى تشكل المباحث الجنائية – رغم تطور أجهزتها التقنية – مع شرطة المرور والحراس الليليين أسفل القاعدة في هرم السلطة، وهذا ما يعرفه كل مواطن. بينما يتمتع مفتش البوليس الألماني كزملائه الأوروبيين بصلاحيات واسعة تظل تدور في حيز الديمقراطية، لكنها تسمح له بدخول أي بيت والتحقيق مع أي شخص حتى ولو كان رئيس حزب، جنرال في الجيش أو رئيس الجمهورية.

يساند المدعي العام تحقيق المفتش البوليسي ، وهو جزء من النظام القضائي أي السلطة الثالثة في بلد ديمقراطي. وهذا يعرفه كل قارئ هنا ولذلك يصدق أن المفتش يحرج وزيراً أو جنرالا.

التحقيق الجنائي علم قائم بذاته وبما إنه كذلك فإن تراكم التجارب التاريخية تصبح ثروة في متناول يد كل مفتش جنائي في بريطانيا، فرنسا، سويسرا، المانيا وغيرها من البلدان الديمقراطية.

كما أن كل طالب مدرسة في العاشرة من عمره يستطيع شراء أوإستعارة (من المكتبة) كتب قيمة تحتوي أحدث المعلومات عن تقنية التحقيق البوليسي في الجرائم. ويجد القارئ فيها تجاربا تاريخية، وفوائداً تستند إلى علم النفس وأحدث الإنجازات التقنية. هذا يعرفه القارئ والكاتب وكلاهما ينطلق من أن البوليس في الرواية والحياة مجهز بكل ما يحتاجه لضبط المجرم. ورغم صحة نقد البوليس الجنائي في العديد من البلدان الديمقراطية لعدم مصداقيته ولتداخله المشبوه مع البوليس السياسي أو المخابرات كما هوالحال بين FBI و CIA (وهذا منذ الأربعينيات وملاحقة الشيوعيين في أمريكا) إلا أن هذا الخلل يظل محدوداً عبر مراقبة الصحافة الحرة والبرلمان. ولا ننسى أن صحفيين(ودورد وبرنشتاين) أسقطوا الرئيس الأمريكي ريشارد نيكسون وهو في قمة السلطة لكونه تعامل مع مجرمين في فضيحة وترجيت.

القارئ العربي يعرف أن المحققين العرب لا يملكون تراكما ولا علما. التقنية المستوردة تظل رغم تقدمها دون ديمقراطية وحرية أداة قمع وليس اداة كشف ويشابه هذا الحال البائس إستيراد الكومبيوتر(الحاسوب) وكل تقنيات الإتصال الإلكترونية كما والدخول في الإنترنت وكل ما يتعلق بتسهيل التعامل مع المعرفة والذي أدى إلى قفزة إستهلاكية رهيبة ولم يؤدي لقفزة كمية في الأبحاث والإختراع. قفزت قيمة المستوردات إلى حدود خيالية وبقينا في تأخرنا العلمي والثقافي. هذا أحد أكثر النتائج إيلاماً لفقدان الحرية والديمقراطية.

لا يكتفي أي محقق عربي بما يحصل عليه من معلومات بطرق تحترم حتى إنسانية المشتبه به فيلجأ – ليس لأنه شريربل لأنه مطمئن من أن لا مراقبة عليه ولا حقوق لهذا المسكين الذي سقط الآن بين يديه – فيلجأ للوسيلة الوحيدة التي لا تزال من أيام سفر برلك ( الحرب العالمية الأولى) تجبر حتى الحجر على الإقرار بالجريمة. ألا وهي الضرب. لذلك لن يصدق قارئ ذو عقل أية رواية عن مفتش فهلوي يجد المجرمين رغم كل هذه العوائق.

أم أن أي مخلوق عربي سيصدق أن مفتشاً بوليسياً يمكن له أن يحقق مع أبناء القبائل المالكة والمستبدة لمجرد شبهة وبالوسائل نفسها التي يعامل بها المواطن المهزوم؟

هذا الوضع المزري الناتج عن غياب شبه كامل للحرية هو الذي يكسر عمود القصة البوليسية الفقري.

القارئ يعرف بلده وسواء كان موالياً للحكم أم معارضاً لا يصدق أن مفتشاً يدخل بكل أدب وحزم ليحقق في أي بيت للعثور على الحقيقة.

هذه المقدمة البديهية لكل رواية بوليسية يرفضها القارئ

ومتى رفض القارئ تصديق المكتوب مات الكتاب.

ما الذي يبقى؟

جرائم لا تحصى وقصص مملة عن عناترة البوليس الذين يكشفون الجرائم حتى قبل وقوعها. من أمثال ذلك كتاب العقيد بهاء الدين الخوجه مدير الإدارة الجنائية في سوريا لربع قرن بعنوان “رجل المباحث في ربع قرن” وكتبه أغلب الظن أحد الكتاب الصحفيين المغمورين مقابل أجر زهيد. الكتاب يبدأ وينتهي بالكذب. وفي النهاية يصل القارئ إلى نتيجة مفادها، أن المجرمين كما هم منذ آلاف السنين من محيط الجائعين الحسودين. ولم يضبط شرلوك هولمز العروبة أي رجل من العائلات المهيمنة طيلة ربع قرن. الكتاب فكاهي عن غير قصد لكثرة الكذب فيه، خاصة عندما يكررالمؤلف قدرة عين بهاء الدين الخوجة ( والذي يسمى أبو عبده على نمط أبو صياح) على سبر طبقات النفس، فهو دوما وبدون أدوات وأبحاث وتحقيق يعرف الجاني بمجرد النظر اليه. ويقال أن الخوجه هذا قد أبعد عن وظيفته في عهد حافظ الأسد نظرا لأن المباحث البعثية التي تملق لها على طول وعرض الكتاب، إكتشفت أن العقيد يدير عصابة صغيــرة ويضبط بين الحين والآخر احد أعضاءها ليزج به في السجن بعد أن يروي للقضاء قصة من تأليف وإخراج العقيد. وبعدها يصل السجين وعائلته معاشاً شهرياً صغيراً.

هذه قصة مملة أخرى من مسلسل قصص تروى في دمشق عن كل من سقط.

إن قمع السؤال إبن الحريــة له عواقب وخيمــة وأولها أننا غدونا شعباً من نباشي القبور بدلا من أن نسأل الأحياء لماذا وبأي حق يقترفون ما يقترفون.

نشر هذا المقال لأول مرة في موقع صفحات سورية في 18 مايو (ايار) 2008

© by Rafik Schami & Syrian Safahat

الحقوق محفوظة للكاتب ولصفحات سورية

http://www.alsafahat.net/blog


التعليقات مغلقة

التعليقات مغلقة.